الشيخ محمد الصادقي
257
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
قال : أستحي من ربي أن اطلب إليه كشف بلائي ، ولمّا قضيت فيه مدة رخائي ، ولكن يخيل لي أنه قد بدأ يضعف إيمانك ، ويضيق بقضاء اللّه قلبك ، ولئن برئت وأتتني القوة لأضربنك مائة سوط ، وحرام عليّ أن آكل من يديك بعد اليوم طعاما أو أشرب شرابا ، أو أكلفك أمرا ، فاغربي عني حتى يقضي اللّه أمرا كان مفعولا ! أصبح أيوب - الآن - وحيدا فريدا وقد اشتدت آلامه ، وتضاعفت أسقامه ، ففزع إلى ربه داعيا متحننا ، لا شاكيا متبرما ف « نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » « أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » ( 21 : 83 ) وذلك في آخر الامتحان ، وكما تدل الآية التالية « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ . . . » استجابة دون فصل ! يشكو ربه الرحيم من الشيطان الرجيم دون أن يصارحه في كشف ضره ، وإنما عرضا لحاله « أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ . . . » وقرنا لرحمته تعالى إلى حاله « وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » فإن رأيت فارحم عبدك ، وإلّا فأنا من الصابرين ، فاستجاب له ربه فور عرضه « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ . . . » . أجل ! ولحد الآن يصمد أيوب لوسوسة الشيطان ، فيرتقي إلى ذروة الإيمان « إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » . « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ » - وليس الركض حسب العادة إلّا برجل - فذلك لمحة إلى مدى مرضه لحد لم يك يمشي برجل ، ولكنه الآن « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ » عدوا قفزة أولى إلى الصحة ، ثم وثانية إلى العافية : « هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ » فلم يكن يسطع قبل لاغتسال ولا شرب شراب . فما شرب واغتسل حتى اندملت قروحه ظهر بطن ، وبرئت جروحه ، وكأن بارد الماء كان مرحما ملحما ، رغم أنه يضر بالجروح في عادية الأحوال ! .